الجمعة، 30 ديسمبر 2011

لسنا خلفاء الله في أرضه

إضلال الأمة بفقه الأئمة ـ ج 45
لسنا خلفاء لله في أرضه
يقول تعالى:{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } (البقرة 30).
ينتهي كثير ممن الدعاة إلى معنى قوله تعالى: [إني جاعل في الأرض خليفة] أي خليفة لله في أرضه بمعنى الولاية، وساعدهم إبليس على تأويلهم المنحرف حين رؤوا آية [هو الذي سخر لكم ما في الأرض جميعا].
وهذا خطأ في العقيدة، فالله لا يقوم مقامه أحد، فهو موجود وليس بغائب حتى يخلفه بشر، فالمستخلف الذي ينوب عن الغائب أمر لا يصح أن نتقول به على الله.
واستنباطهم ظاهر الفساد ويوشك أن يكون هو الشرك ذاته، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى لا يُستخلف لا في الأرض ولا في السماء، لأنه معكم أينما كنتم، وهو نور السماوات والأرض، فهو ليس بغائب حتى يحتاج من ينيبه حال غيابه.
فالله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى حي لا يموت، وهو موجود فوق كل وجود وقبل كل وجود وبعد كل وجود، سبحانه له الأسماء الحسنى لا يغيب عن خلقه في الأرض أو في السماء لا بسِنَة ولا بنوم ولا يغفل عن صغيرة ولا كبيرة في الأرض أو في السماء ليستخلف خليفة بمعنى الولاية، لأنه سبحانه هو القاهر فوق عباده له العزة في السماوات والأرض جميعاً وهو الغني الحميد.
إنما نحن مستخلفين أي متروكين بالأرض ويخلف بعضنا بعضا، وقد سخر الله لنا ما في الأرض جميعا وأعطانا العقل كي نتعلم وندرك به كيف سخر لنا ما في الأرض، وما لنا من دونه من ولي ولا نصير، ونتبين ربوبيته لنا خاصة وعلى الخلائق عامة،  ونعلم ألوهيته على الأكوان والخلائق كلها.
مستشار/أحمد عبده ماهر
محام بالنقض ومحكم دولي وكاتب إسلامي

زواج الرجل من ابنته

دردحة فقهية
قد تحتاج لفهامة من العصر الحجري لتفهم الفقه والفقهاء ومن يتشيع لهم ممن يسمون أنفسهم بالمتخصصين أو السلفيين، إن بعض ما وصلنا من مراجع فقهية يزعمون بأنها للأئمة يندى لها جبين العقلاء والشرفاء، فهل جعلنا للسقوط الإدراكي أئمة؟، أجد أحيانا أمور تجمع بين السقوط الأخلاقي والحضاري فضلا عن الشرعي، فحين تعلم بأن الأئمة أجازوا زواج الرجل من ابنته، والمرأة من ابنها ولم يحرموا ذلك، فماذا بقي من الدين، أيصح أن نسمع لأشياعهم قولا في سنن صلاة أو نواقض وضوء، والعجيب بأن هؤلاء ينادون بتطبيق الشريعة، فأي شريعة يريدون أشريعة الله أم شريعة الفقهاء.
وحتى لا يكون الكلام مرسلا، وحتى يكون الدليل دامغا، ومن مستنداتهم التي يفخرون بها ويزأرون لها زئير الأسود، يستشعرون بها القوة، فسأعرض لكم بعضا من هذا الانحطاط الإدراكي الذي يسمونه فكرا، أو يسمونه فقها.
ففي كتاب الإشراف على مسائل نكت الخلاف للقاضي أبومحمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي المتوفي عام 422هجرية حيث صفحة 704 من المجلد الثاني يذكر بالرواية رقم 1265 في تحريم المصاهرة بالزنا روايتان أحدهما ثبوت التحريم وهو قول أبو حنيفة والثانية نفي التحريم وهو قول الشافعي .
وبالمسألة رقم 1266 ـ إذا زنا بامرأة فأتت بإبنة كره للزاني بأمها أن يتزوجها ولا تحرم عليه خلافا لأبو حنيفة.
 فأنا أستشهد كل من له لب يعقل، أهذا خلاف في فروع؟، أهذا خلاف فيه رحمة؟، أم هو خلاف إضياع الحق وإثبات الضلال بالخلاف.
ويذكر كتاب الفقه على المذاهب الأربعة الجزء الرابع في صفحة 71 عن فقه الشافعية [أما الزنا فلا يوجب حرمة المصاهرة على أي حال، لأنها نعمة من الله لا يصح زوالها بذلك الفعل المحرم].
وقال أيضا الكتاب في ص73 عن فقه بعض المالكية[وتجوز المخلوقة من ماء زنى الأخ لأخيه، وإذا زنى بها وهي حامل  فقيل لا تحرم وقيل تحرم لأنه سقاها بمائه ولكن المشهور انها لا تحرم].
يعني هذا كلّه بجواز أن يتزوج الرجل ابنته من زنا سابق بأمها، وتتزوج المرأة من ابنها من زنا سابق مع والد الشاب، لذلك يلح علي سؤال، أيكون هذا فقها أم دعارة فقهية؟
فإذا أضفنا رضاع الكبير الذي يحاول فقهاء زماننا تبريره بقولهم انه كان خصوصيه لسالم مولى أبو حذيفة أن يرضع من سهيلة بينما هو رجل كبير ذو لحية، نقول لهم وما رأيكم فيما ورد بموطأ الإمام مالك من أن السيدة عائشة كانت تأمر من يريد أن يدخل عليها من الرجال أن يرضع من بنات اخيها أو اختها أم كلثوم ودافع عن هذا العته أستاذ الحديث بكلية أصول الدين حاليا، فهل هذا من أصول الدين؟.
وهل يمكن للجن أن يتناكح مع الإنسية ويولد لهما ولد كما يقول ابن تيمية (ابن تيمية في كتابه فقه المرأة الكتاب الثاني فصل مناكحة الجن ص18).
أو نصدق بأن والدة الإمام مالك السيدة عالية بنت شريك الأزدية ظلت حامل فيه ولم تلده إلا بعد ثلاث سنوات (سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج8 ص48).
ويقول السادة الحنفية:[إن الحق في التمتع للرجل لا للمرأة، بمعنى أن للرجل أن يجبر المرأة على الاستمتاع بها، بخلافها فليس لها أن تجبره إلا مرة واحدة في حياتها،..الخ].( الفقه على المذاهب الأربعة الكتاب الرابع صفحة 10).
فهل هذا دين الفقهاء أم دين الله، أرى بأنه على السلفية والأزهريين أن يفهموا الشريعة أولا قبل أن يتنادوا بها.
مستشار/أحمد عبده ماهر
محام بالنقض وكاتب إسلامي


جمع القرءان

موقف الأزهر من القرءان
لأسفي أن الأزهريين لا يدركون مدى الأذى الذي يتركونه ميراثا للطعن في القرءان من خلال اعتمادهم على المرويات التي يزعمون بأنها وردت فيما يطلقون عليه كُتُب الصحاح وبخاصة البخاري، بل وثقتهم الزائدة في تلك المرويات رغم تناقضها وعدم معقولية كثير منها.
فعن جمع القرءان تقرأ كل المتناقضات التي تؤدي للتشكيك في صدق القرءان، أو على الأقل تفضح زيف كثير من التراث الذي يعتمد عليه الكثير من الدعاة، وسأطوف بكم في رحلة نتدبر فيها ما تم تثبيته بأدمغتنا عن جمع القرءان.
أولا من الذي جمع القرءان
1.  فمرة يقولون بأنه جُمع على عهد رسول الله (الحاكم في المستدرك ج2 ص611) ومنتخب كنز العمال ج2ص52).
2.  ومرة أخرى يقولون بأن أبا بكر هو الذي جمع القرءان بعد أن استحر القتل في حفظة القرءان بحرب اليمامة (400 رجل) وبئر معونة (70 رجل) وذلك فيما رواه ابن أبي شيبة والإتقان للسيوطي ج1 ص101 والبخاري باب جمع القرءان.
3.    ويقولون بأن عمر بن الخطاب هو الذي جمعه وذلك فيما رواه محمد بن سيرين والحسن وابن حاطب وغيرهم.
4.    وقالوا بأن سيدنا عثمان هو الذي جمعه فيما رواه أبوقلابة ومصعب بن سعد، وأبو المليح وعكرمة وغيرهم.
فهل وجود أربع روايات مختلفة كل منها ينسب جمع القرءان لواحد مختلف لا يشكك في شيء، وهل تلك الروايات واختلافاتها أمر هين؟.
ثانيا مخالفة أمر رسول الله
ومن الأمور العجاب ما ذكره البخاري في صحيحه من قوله صلى الله عليه وسلم(خذوا القرءان من أربعة:عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وسالم ومعاذ) فلماذا لم يتم الاستعانة بعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وكانا على قيد الحياة، ولجأ زيد بن ثابت الذي كلفه أبو بكر أو عمر أو عثمان رضي الله عنهم لأن يأتي بشاهدين على كل آية من الآيات قبل أن يكتبها، وليس من بينهم بن مسعود ولا بن كعب؟.
ثالثا مم جمع القرءان
1.  هل جمع القرءان من العظام والأوراق واللخاف والعسب، أم من الحفظة بشاهدين على كل آية؟، وهل الشاهدين يبلغان حد التواتر اللازم للثقة؟.أم لا؟، علما بأن مرويات التراث تذكر كل هذا.
2.  وما هي وظيفة كتبة الوحي طالما كان زيد بن ثابت يجمع القرءان من الصدور ويأت بشاهدين على كل آية، هل ضاعت أوراق كتبة الوحي؟.
3.  بل من المصائب أنه لم يجد شاهدين للآيتين الأخيرتين من سورة التوبة ووجدهما عند رجل كان رسول الله قبل وفاته قد جعل شهادته تعدل شهادة رجلين؟، أيكون ذلك تواترا أم يكون القرءان رواية آحاد، وكيف ينسى كل الصحابة آيتين من كتاب الله؟.
4.   وهل يقول رسول الله فيما رواه البخاري (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله)، بينما ليس هناك كتاب، وهل يمكن أن نطلق لفظة كتاب على شيء غير مكتوب؟. فمن أين أتت روايات جمع هذا وذاك للقرءان، وما معنى الجمع في منطقهم، هل ترك رسول الله الحياة بدون كتاب مدون بينما يقول بأنه ترك فينا كتاب الله لنتمسك به.
5.   في منطقي الذي أفهمه وأخالف به الأزهر وكتب التراث إن كتاب الله كان مكتوبا عند النبي وعند بعض الصحابة وكان محفوظا في الصدور، وكانت كتابته في أوراق وليست على  عظام ورقاع، ودليل ذلك وجود صحيفة مكتوب بها القرءان عند شقيقة عمر بن الخطاب قبل أن يسلم وكانت سببا في إسلامه.
إن ما قمت بتدوينه لكم هو جزء يسير من كثير من التناقض الوارد بالتراث والذي يتمسك به الأزهر ويطعن بالجهل كل من فكّر بخلافه،  ويرميه بالتشكيك في ثوابت الأمة والظن السيئ بالعلماء والسلف الصالح.
إن الهرتلة التي تم تدوين التراث بها تضع في أعناقنا وعلى عاتقنا مسئولية التحقق، فالدعوة إلى الله مسئولية، ولا يجب أن تحمل المتناقضات التراثية تلك المسئولية التي تشكك في دستور وحدة المسلمين وهو القرءان الكريم، ولم يعد شعبنا مجموعة من المزارعين الذين تغرهم ألسنة العمائم ويسهل قيادهم من كل ناعق، حتى وإن كان أزهريا متخصصا.  
مستشار/أحمد عبده ماهر
محام بالنقض ومحكم دولي وكاتب إسلامي

مذمة نهج السلفية

ليست السلفية مذمة لنذمها، لكنا نذم نهج السلفيين في العصر الحديث، فإن تمسكهم بفقه السلف ليس عيبا في السلف لكنه عيبا فيهم، لأن التطور الفكري  يعمل بسنن الفطرة في بني الإنسان، فإن أصرت جماعة على التقيد بعلوم السلف واعتبرته سقف العلم والقربى إلى الله، فهم قد خلطوا أمورا ما يصح لها أن تخلط
فخلطوا أولا بين التقوى التي كان عليها كثير من السلف، والجهد والتفان والإخلاص الذين تشرفت بها الأجيال القديمة، وبين التطور الفكري في العقول والمتاح من العلم للمتأخرين عنه في اهل العصر القديم،
لذلك فرفض السلفية استبدال فقه أو فكر الأقدمين بفكر المحدثين، إنما هو درب من دروب تخلف الفكر الديني عن المنظومة الفكرية مما يؤدي لخروج الناس من الملة
ولم يميز أهل سلفية العصر الحديث بين الفقر المدقع في أدوات الفقيه القديم وأدوات الفقية الحديث، فنشأ عن ذلك ظهورهم بمظهر الجمود والتخلف

وبالرغم من تطور الزمن فهم يعتمدون على الرواية والقصة في دعوتهم مما أفقد الفكر الإسلامي الكثير من دلالات كتاب الله، وبالتالي ازدادت المسافة الفاصلة بين الفكر الذي تحمله الأمة في حياتها، وبين فكر حمله القرءان الكريم في عصرنا، وما ذلك  إلا من
نتاج تصور باهت منح الأقدمين شرف سقف العلم بلا داع

وإليك مثل عن الجمود الفكري لما عليه دعاة السلفية
فهم مثلا يتصورون قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ }آل عمران102
يتصورونها آية عن ضرورة حسن الختام، لأن مشايخهم وأئمتهم قالوا ذلك، والحقيقة أن تعبير (ولا تموتن) يعني الحياة ولا يعني الموت، بما يعني لا تعيشوا إلا على الإسلام، لأن الموت ليس بيد أحد، وختام الأعمال مثل منتصفها لأن الله وعد بأن نرى كل عملنا الصالح وكل عملنا الطالح، ووعدنا بأن الحسنات يذهبن السيئات، فلا فرق بين تقدم هذه الحسنة أو تأخر تلك المعصية، وعلى ذلك تسقط نظرية ختام الأعمال سقوطا مدويا، لكنهم لا يستطيعون منها فكاكا لأنها في قصصهم وروائياتهم وقال بها أشياخهم القدماء
بل قالوا أسوأ من ذلك، قالوا بأن الصحابة رضوان الله عليهم لما نزلت هذه الآية بكوا بكاءا مرا واشتكوا لرسول الله وقالوا :من منا يستطيع أن يتق الله حق تقاته، فنزل قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }التغابن16
فهل ينزل القرءان وفق هوى الصحابة، أليس القرءان قديم قبل الصحابة، ألم يقل الله [ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد] فلماذا يقولون تلك القصص الممجوجة التي تبين فساد عقيدتهم، إنه سبب واحد، أن يقولوا أن بالقرءان ناسخ ومنسوخ ولا حول ولا قوة إلا بالله

أخطاء فقه السلف

أخطاء السلف ليست من الإسلام
جميل جدا أن نحسن الظن بأسلافنا، لكن من غير المحمود أن نتصورهم من المعصومين الذين لا يأتيهم الباطل من بين يديهم ولا من خلفهم، أذكر هذا لأدلل على شريط الولاء والبراء لأبي إسحق الحويني الذي تصور الجهاد الحربي عمل يومي للمسلم كلما أراد وكلما استطاع، بل وحرّض الناس على قتال غير المسلمين، وما أرى ذلك إلا من سفه السلف والسلفية على السواء.
فما كانت الفتوحات التي يسمونها إسلامية تُعَبِّر عن الإسلام، وإن قام بها مسلمون أوائل وأسماء رنانة مثل طارق بن زياد وعمرو بن العاص وابن قتيبة وغيرهم، فقد  شُرّع القتال في الإسلام دفاعا وليس هجوما، بل للدفاع الشرعي المتوازن، فنهى الله المدافعين أن يتجاوزوا حد الدفاع الشرعي إلى الاعتداء والتجاوز بدعوى التأمين، فقال تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ }البقرة190.
فلنقاتل الذين يقاتلوننا فقط، ودون تجاوز لحدود الدفاع الشرعي، فهذا هو الشرع الواجب الاتباع.
أما قوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنكِيلاً }النساء84؛ فلا تعني ما انتهى إليه بعض المتمسلفين من تحريض الناس على القتال، لأننا إن تدبرنا الآية لوجدنا بأن الله يستحث النبي لتحريض المؤمنين على قتال الكافرين من أولي البأس الحال الواقع على ديار الإسلام، وليس بالآية دليل على أي مطالبة للمسلمين بالهجوم على القرى الآمنة مهما كان دينها.
ولقد فهم كثير من السلف آية الجزية بصورة مقلوبة، فتصوروا أن الجزية على كل أهل الكتاب، ولو كان هناك تدبر واع   لبحثوا عن حكم الكافرين الناكرين لوجود الله، أيدفعون جزية مضاعفة مثلا.
إن الفهم الضيق لكتاب الله جعل البعض يُزَوِّر الأحاديث وينسبها زورا لرسول الله ثم يرفع عقيرته ويقول هذا هو الإسلام، وتصور بعضهم الوسطية فقال بأن الجزية على أهل الكتاب ضريبة ليتكفل المسلمون بحمايتهم بدلا من تجنيدهم بالجيش، وذلك أيضا من عته فقه السلف.
ولنتدبر الآية الوحيدة الواردة عن الجزية بالقرءان لنتعلم ونعلم على من تكون الجزية، وذلك من قوله تعالى: {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }التوبة29.
فالآية حددت شروطا لفرض الجزية على أهل الكتاب ليس من بينها موضوع التجنيد ولا ضريبة للدفاع عنهم، لأن المسلم مسئول أن يبلغ أي مشرك مسالم مأمنه، فما بالكم بأهل الكتاب وهم أهل دين سماوي؟!. إن الآية تشترط شروطا هي:
1.         ألا يكونوا يؤمنون بالله.
2.         ألا يؤمنون باليوم الآخر.
3.          ألا يحرمون ما حرّم الله ورسوله.
4.         ألا يدينون دين الحق.
5.         أن يتكبروا في الأرض لقوله تعلى (وهم صاغرون).
6.         ألا يكون القتال لكل أهل الكتاب لكن لتلك الفئة فقط حتى يعطوا الجزية بخضوع.
فالأمر ليس على عواهن من يقرأ الآية ولا يفهمها ويظن نفسه شيخا طمطما، ولو كان أولئك دعاة لله حقا لتبينوا معاملة الإسلام للأسرى، حيث يقول تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً }الإنسان8؛ فإذا كان المسلم الذي يطعم الأسير محمودا عند الله، والمفترض في الأسير أنه قاتل وقتل من قتل من المسلمين، فكيف بمعاملة أهل الكتاب الذين لم يقاتلونا، ولم نرى لهم بأسا علينا.
لذلك يقول تعالى بسورة الممتحنة: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ{8} إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ{9}؛ فهل سنبرهم ونحن نستذلهم؟!.
هذا إلى غير الفرق بين تعبير [الذين أوتوا الكتاب] وبين تعبير [أهل الكتاب] لكن لأني أعلم كثير من السطحية تميز بها كثير من الفقه القديم فلم يفرق بين التعبيرين فكان ما  كان من فتاوى ضالة بالجزية والقتال.
فهناك فئة من الذين أوتوا الكتاب نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فكفروا باليوم الآخر، وكفروا بالله، فهل تعلم كتابيا من جيرانك يكفر بالله واليوم الآخر ولا تأمن بأسه ضدك حتى نساعدك في تحصيل الجزية منه؟.
لذلك يقول تعالى: { لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ{113} يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَـئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ{114} وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ{115}؛ فتدبر قوله تعالى [أهل الكتاب]، ولم يقل [أوتوا الكتاب] لتعلم بأن لكل تعبير مدلوله، وتدبر تعبير [ليسوا سواء]إن القرءان يطلب منا أن نميز تمييزا دقيقا ووضع لك عناصر التمييز، فلماذا تكون أسرى لفقه لم يدرك الكثير مما ندركه.
ويذكر الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة حديث رقم 445 :[من  ظلم معاهدا أو انتقصه حقا أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه ـ أي خصيمه ـ يوم القيامة].
والفتوحات الحربية التي قام بها الأوائل لم تكن من الإسلام في شيء، فلا الأندلس حقا لطارق بن زياد، ولا أي بلد ظهرت بها أنياب السيوف، ولقد انتشر الإسلام في بلاد آسيا بلا سيف، بل لقد دخل المغول والتتار في الإسلام، بعد معاشرتهم للمسلمين الأوائل الذين هم بحق السلف الصالح، فكان أكثر أهل الإسلام من قارة آسيا.
ولم يغزو رسول الله أحدا حتى نطلق على ما اشترك فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه غزوة، فذلك أيضا من سلبيات الفقه السلفي القديم وليس الصالح، وتتبع كل ما اشترك فيه النبي من قتال لتصل إللا هذه النتيجة، لذلك فهؤلاء الدعاة ليسوا على سنة رسول الله وإن أطلقوا ألف لحية وقصروا ألف ثوب وأنفقوا مالهم على كل سواك بالأرض.
 مستشار/أحمد عبده ماهر
محام بالنقض ومحكم دولي وكاتب إسلامي

نظرة في أصول فقه السلفية

نظرة في أصول فقه السلفية
لست أتصور ان يسمي الله أو خليله مولودا ونقوم نحن بتغيير ذلك الاسم، فقد سمانا خليل الله إبراهيم بالمسلمين من قبل واعتمد الله ذلك الإسم، لكننا لم نرتض وسمينا أنفسنا سلفيين وشيعة وسنية وأباضية وصوفية وغير ذلك من التسميات، أليس هذا تفكيك منا لمقام رفيع أراده الله لنا اسمه (المسلمين)، فالله تعالى يقول: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ .... }الحج78.، ومن يقول بأنه مسلم سلفي أو مسلم سني أو شيعي أو غير ذلك فقد اعترف بكونه لقيط ذلك الأب السلفي أو الشيعي أو الصوفي أو غير ذلك.
ولست أتصور أن تقوم مجموعة بإنشاء معصوم جديد وهو فهم السلف، وتقوم بتحنيط هذا الفكر عبر الزمن باعتبار أنه لا يأتيه الباطل لمجرد صدوره عن السلف سواء أكانوا من الصحابة أو التابعين، فالسلفية يقولون بأن منهاجهم القرءان والسنة بفهم سلف الأمة، فهم بتقيدهم بفهم سلف الأمة يكونوا قد أنشأوا معصوما جديدا وقاموا بمساواته كتفا بكتف مع القرءان والسنة، بما يعني عصمة أقوال الصحابة والتابعين رغم عدم العناية بها وبمصداقية نسبتها لهم كما تمت العناية بأحاديث رسول الله.
وتتقيد السلفية بفهم السلف رغم اختلاف ذلك السلف اختلافا شديدا مع بعضهم البعض بعد موت رسول الله، بل وقتلهم بعضهم البعض بحد السيوف، ورغم وجود منافقين من الصحابة لم يكن لأحد أن يعلمهم، ولا حتى رسول الله، وذلك من قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ }التوبة101. لكن السلفية تتعامى عن أمور، وتقوم بتعظيم أخرى، لتصل إلى مبتغاها في إضلال الأمة بما وصلنا من فقه الأئمة.
 وقالت السلفية بأن النقل مُقدّم على العقل، فحكموا بصحة كل التخريفات والتخريجات التي وردت بكتب التراث مهما كانت دون إعمال للعقل، وذلك مخالف لمنهج التدبر واحترام الرأي الآخر، وفيه منع لحرية البحث الفقهي بزعم أن  أحد القدماء من التابعين أو من الصحابة قد أدلى فيه برأي، مهما كانت درجة عدم انسجام كلام الصحابي مع المنطق أو القرءان.
فهل نعتمد قول السلف من الفقهاء ومن شُرّاح الحديث وجامعيه من الذين قالوا برضاع الكبير (البخاري ومسلم وغيرهما عن الصحابة عن رسول الله)، أو أن القرود مُكلّفَة وأنها ترجم القردة الزانية (البخاري باب القسامة في الجاهلية)، أو أن بعض اليهود مُسخوا على هيئة فئران، وبالرغم من كونهم فئران ومرّ على مسخهم أجيال إلا انهم لا يزالون يطبقون الشريعة اليهودية في الامتناع عن شرب لبن الإبل، وشرب لبن الضأن (صحيح مسلم)، وأنه يمكن للجن أن يتناكح مع الإنسية ويولد لهما ولد (ابن تيمية في كتابه فقه المرأة الكتاب الثاني فصل مناكحة الجن ص18)، أو نصدق بأن والدة الإمام مالك السيدة عالية بنت شريك ظلت حامل فيه ولم تلده إلا بعد ثلاث سنوات (سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ج8 ص48)، أو نعتمد ما جاء به الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم عن حديث منسوب زورا لرسول الله من أنه قال نزل القرءان على سبعة أحرف فقام النووي بتفجير قنبلته النووية فقال [يعني أن فقهاء قالوا بإمكانية أن تضع غفور رحيم بدلا من سميع بصير وأن هذا فاسد لإجماع الفقهاء ] فذكر بأن علة الفساد هو إجماع الفقهاء وليس حفظ الله وتواتر القرءان، وأن حُكمُ ذلك عنده أنه يكون فاسدًا وليس حرامًا[صحيح مسلم بشرح النووي المجلد الثاني ص100]، وهل نعتمد أن الله خلق السماوات والأرض في سبعة أيام وليس ستة كما قال القرءان (صحيح مسلم باب ابتداء الخلق)، وهل يتم تأميم أملاك المرتد بعد قتله (الاختيار لتعليل المختار ص371)، وهل نعتمد تفسير الخازن الذي يقول بأن الله أخطأ في اللغة العربية في آية {لَّـكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَـئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً}النساء162؛ فيرى بأنه كان من المتعين أن يذكر الله كلمة (والمقيمون) بدلا من (المقيمين)، ومن أكبر الأخطاء التي وقعت فيها السلفية تصورهم أن السنة النبوية تنسخ القرءان، لذلك فهم يقدمون فقه الرواية على فقه الآية، وهناك آلاف الأخطاء التي تُغضب الله ويندى لها جبين العقلاء خجلا لأجل تلك الكتابات السلفية التي يعظمها ويتقيد بها الفقه السلفي، والتي تعبث بالعقيدة والشريعة بلا وجل، بل يظنون أنهم يحسنون صنعا.   
لذلك لا تعجب إن رأيت السلفيين أهل علم بلا عقل أو منطق أو تجديد، ولا تعجب إن رأيتهم يُكفّرون المجتمعات لأنهم لا يرون إلا مجتمعا فاضلا هو مجتمع الصحابة والتابعين وتابعي التابعين فهم يحملون الناس كي يقلدوهم ليصلوا إلى نهج لم يتطلبه الإسلام، بل هو يعادي قويم الإسلام والتحضر والعلم والعقل، ولن نستطيع أن نتخلص من فقههم وما وصلنا من فهم السلفية البدائي إلا إذا تخلصنا من الإدراك البدائي.
وكيف نتبع السلف وقد نهانا ربنا عن ذلك، فالله لم يأمرنا أن نتبع أشخاص بل أمرنا باتباع المنهج فقال: {قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }آل عمران95؛ وقال سبحانه: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }الأعراف3؛ بل إن الله حين أمرنا باتباع رسول الله كان قد أمره هو باتباع ملة إبرهيم فقال جل في علاه: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}النحل123؛ ولقد حذرنا الله من اتباع البشر من التابعين فقال سبحانه:{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}الجاثية18؛ فمن جماع ما سبق وغيره أكثر فإننا لا يجب أن نتبع السلف لاضطراب كثير من الأفكار التي وصلتنا عنهم.                                               مستشار/أحمد عبده ماهر
 محام بالنقض وكاتب إسلامي

الوجه الطالح للسلف الصالح

الوجه الطالح للسلف الصالح
يطيب للدعاة أن يذكروا سلفنا بخير، وهو أمر محمود من كل الوجوه، لكن حين ينحرف البعض ويكونون مذهبا يسمونه السلفية، ويقولون بأن منهاجهم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، فهنا نحن نقف لنمحص لهم وللجميع أننا جميعا قوم خطّاءون، نصيب ونخيب، وفهم السلف ليس معصوما من الزلل حتى نقيم له مذهب، كما أن الله تعالى لم يأمرنا باتباع أشخاص، إنما أمرنا باتباع المنهج، وحتى حين أمرنا باتباع رسول الله قال له قبلها :{ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }النحل123. بما يعني أن نبينا مأمور باتباع المنهج.
بل لقد أمرنا الله في أكثر من موضع بالقرءان باتباع المنهج فقال تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللّهُ فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ }آل عمران95؛ وقال سبحانه: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً }النساء125؛ فالاتباع المطلوب هو اتباع الملة وليس اتباع الأشخاص لذاتهم وفهمهم.
 وحيث قال سبحانه وتعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ }آل عمران144. إنما كان يعني اتباع المنهج حتى في غير وجود النبي، ومسئولية الإنسان في اتباع المنهج تتحدد وفق إدراكه وفهمه وعلاقاته وقدرته الاجتماعية والمالية والعلمية والثقافية، فلسنا مطالبين بتقليد أحد ولا فهم أحد، كما أن التقليد لا يرتكن إلى عقيدة واعية لذلك فقد نهى كثير من الفقهاء عن اتخاذ نهج التقليد.
لكن يجدر المقال أن أطرح سؤالا واحدا، هل كنا نحن فقط المقصودين بالانقلاب على العقب بعد موت النبي؟، ألم يساهم كثير من السلف الصالح في الانقلاب المنوّه عنه بالآية؟، وهل انقلبت الصحابة؟، أم إنهم لا ينقلبون أبدا؟، لذلك فقد اعتبر فقهاؤنا أقوال الصحابة أحاديث دونتها كتب الصحاح!.
لقد أُنزلت الآية الكريمة غضّة إبان حياة النبي e وكأنها تخاطب الصحابة بالمقام الأول، ومع هذا حدثت أمور تدل على أن الآية أمسكت أول ما أمسكت بتلابيب الصحابة رضوان الله عليهم، لأن كثير منهم انقلب عن المنهج، ثم توالى نشوب الانقلاب في الأجيال تترى، وهو ما سنبينه فيما يلي:ـ
1.       خصومة نشبت بمجرد وفاة النبي بين الصديق أبو بكر وعمر من جانب، وعلي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء على الجانب الآخر (رضي الله عنهم أجمعين).
2.       نشوب القتال بين سيدنا أبو بكر وبعض القبائل التي منعت الزكاة، وقُتِل المئات في تلك الحروب، وكلهم مسلمون بل ومن الصحابة.
3.                 مقتل سيدنا عمر بن الخطاب على يد أبو لؤلؤة المجوسي وقُتل يومها ثلاثة عشر صحابيا.
4.       مقتل سيدنا عثمان بن عفان على يد طُغمة من فسقة السلف الصالح منهم محمد بن أبي بكر، ورفاعة بن رافع، والحجاج بن غزنة، وعبد الرحمن بن خصل الجمحي، وكنانة بن بشر النخعي، وسندان بن حمران المرادي، وبسرة بن رهم، ومحمد بن أبي حذيفة، وابن عتيبة، وعمرو بن الحمق الخزاعي‏ بعد محاصرة بيته ولم يكتفوا بذلك بل تعدوا على امرأته بالسيف وببذيء الكلام، وأرادوا قطع رأسه بعد أن فارق الحياة، ونهبوا أمتعة المنزل وما في بيت المال، وكانوا قد منعوا عنه الماء أثناء الحصار، بل ومنعوا دفنه بمقابر المسلمين،  وقد تم كل ذلك والصحابة رضوان الله عليهم موجودون بالمدينة المنورة مع سيدنا عثمان‏، بل منهم من ذهب إلى الحج وترك أمير المؤمنين محاصرا ينتظر الموت في ككل لحظة.‏‏"‏
5.                 نشوب الحرب بين سيدنا علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، كذا نشوب حرب بينه وبين الخوارج، وإليك ما تم تدوينه مما قاله الإمام علي عند مقابلته للزبير في ساحة المعركة: "أتطلب مني دم عثمان وأنت قاتله!!.
أما عن طلحة والزبير معا: فيقول محمد باقر المحمودي في مؤلفه نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، أن الإمام علي بن أبي طالب ذكر الأسباب الحقيقية لانقلاب طلحة والزبير عليه، فيقول:«كان طلحة يرجو اليمن، والزبير يرجو العراق، فلما علما اني غير موليهما استأذناني للعمرة يريدان الغدر، فأتيا عائشة واستخلفاها مع كل شي في نفسها ،..... وقادهما عبد الله بن عامر إلى البصرة، وضمن لهما الأموال والرجال،.... وأعانهم عليُّ يعلى بن منبه بأصوع الدنانير،... ثم أتو البصرة وأهلها مجتمعون على بيعتي وطاعتي وبها شيعتي.
6.                 ثم مقتل الحسن بن علي بن أبي طالب مسموما عمدا.
7.                 ثم مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب مقتولا وتم فصل رأسه عن جسده بواسطة جنود من الصحابة وكبار التابعين رضي الله عنهم أجمعين.
أليس الحسن والحسين هما سبطا رسول الله وقرّة عينه، وهما من الذين أوصى الله بهما فقال تعالى: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ }الشورى23.
 فهل  تواد الصحابة وكبار التابعين مع أهل قرابة النبي من أهل بيته؟.
هل قاموا بتفعيل آية المودة لأهل قرابة رسول الله، أم انقلبوا على الآية وعلى أعقابهم كما نبأت بذلك آية موت سيدنا محمد e ؟.
وهل ينطبق حديث رسول الله الذي رواه البخاري ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار) على الصحابة الذين سفكوا الدماء فيما بينهم، أم أن الحديث تمت فبركته لدواعي سياسية لتثبيت حكم بنو أمية، وإذا كان كل ما بصحيح البخاري صحيح فكل الصحابة في نار جهنم، لأننا لن يمكنا إلزام الله بالصمت تجاه تلك الأفعال كما يأمرنا مشايخنا أن نفعل.
8.  ولقد سفكت في هذا القرن دماء الأبرياء من المسلمين من أتباع الفرق المختلفة، فلقد تم قتل علماء المعتزلة على أيدي خلفاء الدولة الأموية لمخالفتهم مذهب السنة الحاكم.
فتم قتل معبد الجهيني [ت80] وغيلان الدمشقي [ت99] والجعد بن درهم [ت120] وما كان جرمهم إلا أنهم قالوا بمسئولية الإنسان عن تصرفاته بينما يقول أهل السنة بمسئولية الله عن تصرف الإنسان وأفعاله، فهل حين يتم نفي التهم عن الله يكون الجزاء هو القتل على يد السلف.
وتم قتل عشرة آلاف مسلم في موقعة الجمل وحدها غير معركة صفين، فلا أكون متجاوزا إن قلت بقيام المذهب السني بالسيف على رقاب العباد.
بل لا أكون متجاوزا إن ذكرت بأن أبناء هؤلاء المنقلبين على أعقابهم هم الذين دونوا لنا علوم الحديث رواية ودراية، وعلوم التفسير، وعلم الفقه.
ومن عجيب الأمر أنك لا تكاد تجد مدونات بشرية يرجع زمنها للقرن الأول الذي يقولون عنه أنه خير القرون بعد رسول الله، ولعلهم قالوا الحديث المشهور الذي يقول بخيرية القرن الأول ليطعنوا الآية القرءانية التي أشارت إلى انقلابهم على أعقابهم بعد موت رسول الله، بينما ترى موطأ الإمام مالك [ت 179] وغيرها، فهل كانت مدونات القرن الثاني أجدر بالحماية من مدونات القرن الأول؟، أم ان مصلحة بنو أمية كانت تلتقي مع طمس معالم كتابات الجيل الأول؟، وهل نصوص أحاديث رسول الله لم تكن عندهم من الأهمية بمكان رغم ما يتشدقون به من انها وحي من السماء.
ويقول بن سعد في مدونته المسماة بالطبقات الكبرى، بأن عبد الملك بن مروان   [ت 86] قال لأهل المدينة مهددا:[يا أهل المدينة إن أحق الناس أن يلزم الأمر الأول لأنتم، وقد سالت علينا أحاديث من قِبَل هذا المشرق لا نعرف منها إلا قراءة القرءان، فالزموا ما في مصحفكم الذي جمعكم عليه الإمام المظلوم رحمه الله ، يقصد سيدنا عثمان، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم رحمه الله.....الخ، فتدبر  ـ رحمك الله ـ كم عانى حكام القرن الأول من المدسوسات على رسول الله باسم حديث صحيح، وما نهض بتلك الجريمة إلا رجال القرن الأول.
فهكذا بدأ مذهب أهل السنة والجماعة ، قتل وسفك دماء ولعن لعلي بن أبي طالب ، وتدوين وصناعة مناقب لبنو أمية بموجب مدسوسات قيل انها نبوية، فحق أن نقول بأن أهل السنة والجماعة هم أحفاد بنو أمية، ولست هنا مدافعا عن المذهب الشيعي، فما هذه المذاهب كلها إلا توجهات عصبية جاهلة تم إقامة التدين الإسلامي على أطلالها.
ولقد أورد البخاري في صحيحة باب اتباع الجنائز من الإيمان بالحديث رقم [ 48 ]، وبباب ما ينهى من السباب واللعن بالحديث رقم [ 5697]، وبكتاب الفتن حديث رقم  [ 6665 ] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.
 وقال بالحديث رقم [ 6660 ] كتاب الفتن [ من حمل علينا السلاح فليس منا ]، وقال بالحديث رقم [ 6668 ] [لا ترتدوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض].
فكيف يمكن أن نأخذ برواية الصحابي الذي قاتل أخيه في حرب على ومعاوية؟، وهل هو يكون من العدول؟، أم هو من أهل الميل؟، والله تعالى يقول: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً ...}النساء92؛ فما بالكم بمن قتله متعمدا؟!، والله تعالى يقول: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً }النساء93. لذلك وبناء على الحديث فإنه لا تقبل رواية من اشترك في تلك الحرب.
ودعني أذكرك بحقيقة شرعية، وهي أن المتلاعنين بعد اللعان يكون الفسق قد لحق بأحدهما من غير تعيين ولا تحديد لأيهما، لذلك لا تقبل شهادتهما في أي قضية أخرى قد تثور بين آخرين، كذلك فجميع من اشترك بالقتال بين على ومعاوية لا تقبل روايته للحديث لكونه تلحقه شبهة اللعنة أو غضب الله كما جاء بالقرءان، أو لشبهة الفسق أو الكفر كما ورد بالحديث.

فما رأي القارئ الكريم في شأن مدونات السنة؟.
وما رأي القارئ في رجال السلف من أهل القرن الأول؟.
مستشار/أحمد عبده ماهر
محام بالنقض ومحكم دولي وباحث إسلامي